القصص الرائجة

سرقة بنك بنغلاديش

author image
قصص حقيقية


هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية وقعت في 2016. تم تغيير بعض الأسماء والتفاصيل الدرامية للأغراض الأدبية

 الطابعة الصامتة

في صباح الجمعة، الخامس من فبراير عام 2016، فتح (منير خان) عينيه على ضوء خافت يتسلل من نافذة غرفته المتواضعة في دكا. كان موظفاً في قسم التحويلات الدولية ببنك بنغلاديش المركزي، يعرف جيداً أن يوم الجمعة يعني دواماً خفيفاً، حضوراً لبعض الموظفين الأساسيين فقط. لكنه لم يكن يعرف أن هذا اليوم سيقلب حياته رأساً على عقب.

وصل إلى البنك في الساعة الثامنة صباحاً، تماماً كالمعتاد. صعد الدرج إلى الطابق الثالث، مروراً بقاعة العمليات الرئيسية، حيث تجلس زميلته فاطمة خلف شاشة الكمبيوتر. تبادلا التحية بسرعة، ثم اتجه كل إلى مكتبه.


الروتين اليومي كان بسيطاً: التوجه إلى الطابعة المتصلة بنظام SWIFT، جمع أوراق التحويلات التي تمت خلال الليل، مراجعتها مع السجل الرقمي، ثم التوقيع على المعاملات المكتملة.

لكن اليوم كان مختلفاً.

(منير خان) وقف أمام الطابعة، محدقاً في فراغ. الطابعة من الوراق وكذلك معظلة. لم تخرج أي ورقة. غريب، فكر في نفسه. (نادراً ما تمر ليلة دون عشرات التحويلات، خاصة مع فارق التوقيت بين بنغلاديش ونيويورك).

  سأل فاطمة ، هل تعلمين إنه تم إصلاح الطابعة أمس؟  سألها بصوت منخفض.

رفعت فاطمة حاجبها: (لا أعتقد. كنت آخر من غادر، وكانت تعمل بشكل طبيعي.)

توجه (منير خان)  إلى جهاز الكمبيوتر الخاص به، فتح سجل التحويلات الرقمية. كانت القائمة مليئة بالمعاملات المعتادة: استيراد مواد غذائية، تحويلات حكومية، مدفوعات رسوم تجارية. لا شيء غير اعتيادي. إذاً، المشكلة في الطابعة فقط.

هز رأسه وعاد إلى مكتبه، محاولاً إعادة تشغيل الطابعة. لم تستجب.( تغير الكابل. لم يستجب). اتصل بقسم الدعم الفني - لا رد. كان الموظفون الفنيون من غير الأساسيين، وإجازتهم يوم الجمعة.

مر اليوم كله في محاولات عقيمة. اختبروا كل الحلول التقنية التي يعرفونها. كانت الطابعة كجثة هامدة. وفي نهاية الدوام، قرروا المغادرة حتى الأحد، عندما يحضر الفنيون.

انصرف (منير خان)  في الساعة الخامسة مساءً، مثقلاً بشعور غامض لا يستطيع تفسيره. كان هناك شيء ما، شيء خفي، يخبره أن الأمور ليست على ما يرام.

 شبح الشبكة

في غرفة مظلمة على بعد آلاف الكيلومترات، في مبنى غير موصوف على أطراف( بيونغيانغ)، كان ملقبا ب (الأستاذ) يراقب شاشته بابتسامة خفيفة. كان قائد فريق لازاروس، أخطر وحدة قرصنة في العالم، يدير العملية بأكملها من هناك.

دخل مساعده،  حاملاً كوباً من الشاي.

- ما هي آخر التطورات؟  سأل الأستاذ دون أن يرفع عينيه عن الشاشة.

 - رد الأستاد

(الطابعة معطلة كما خططنا. الموظفون غادروا. النظام في انتظارنا.)

  كان يعرف كل شيء عن بنك بنغلاديش المركزي. لقد اخترق شبكته قبل أكثر من سنة، وتنقل بين أجهزة الكمبيوتر مثل شبح لا يُرى. كل ذلك بدأ برسالة بريد إلكتروني بسيطة، تحتوي على سيرة ذاتية مزيفة، أُرسلت إلى أربعين موظفاً. فقط , عدد قليل منهم فتح المرفق، ولكن كان ذلك كافياً. الفيروس الذي زرعوه انتشر عبر الشبكة الداخلية بسهولة مروعة، مستغلاً أجهزة التبديل الرخيصة التي لا تحمل أي معايير أمنية.

 تأكد من أن كل شيء جاهز لليلة،  قال الأستاذ وهو يرتشف الشاي. (سنبدأ عند الساعة الثامنة والنصف مساءً بتوقيت دكا.)

غادر مساعده الغرفة، تاركاً الأستاذ يواصل المراقبته. كان الكمبيوتر المستهدف موجوداً على شبكة SWIFT، الكمبيوتر الذي يتحكم بالتحويلات الدولية. وقد حصلوا بالفعل على بيانات اعتماد الموظف المسؤول عنه.

الأستاذ فتح نافذة أخرى على شاشته: خريطة زمنية معقدة. كانت إجازات بنغلاديش (الجمعة والسبت) تتداخل مع إجازات أمريكا (السبت والأحد) وإجازات الفلبين (السبت والأحد والاثنين بمناسبة رأس السنة الصينية). أربعة أيام من عدم التواصل بين البنوك الثلاثة. أربعة أيام كافية لتحويل مليار دولار وتنظيفها بالكامل.

خرج الأستاذ إلى شرفة الغرفة. تحت سماء بيونغيانغ الملبدة بالغيوم، أخذ نفساً عميقاً. كان يعرف أن نجاح هذه العملية يعني إمداد نظامه بمليار دولار، جزء كبير منها سيذهب لتمويل برنامجا  لبلاده.

عاد إلى الشاشة، وبدأ في كتابة أوامر التحويل النهائية.

  المليار الضائع

في المكتب المظلم في دكا، كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف مساء يوم الخميس. كان جميع الموظفين قد غادروا منذ أكثر من ثلاث ساعات. لكن كمبيوتراً واحداً، كمبيوتر التحويلات الدولية، كان يعمل. على شاشته، كانت نافذة SWIFT مفتوحة، وأصابع غير مرئية تطبع بسرعة أوامر تحويل.

طلب أول: 20 مليون دولار إلى حساب في بنك Rizal Commercial Banking Corporation (RCBC) في الفلبين.

طلب ثان: 15 مليون دولار.

طلب ثالث: 25 مليون دولار.

واستمرت الأوامر حتى بلغ مجموعها 35 طلباً، بقيمة إجمالية 951 مليون دولار. كان الهدف هو حساب بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، حيث تحتفظ بنغلاديش باحتياطيها من الدولارات.

نقر (الأستاذ) على زر الإرسال وانتظر.

في نيويورك، كان البنك الاحتياطي الفيدرالي يستقبل الطلبات عبر نظام SWIFT. نظام آلي يقرأ كل طلب، يتأكد من صحة التنسيق والتوقيعات الرقمية، ثم يوافق عليه تلقائياً.

لكن شيئاً غريباً حدث. من بين 35 طلباً، تمت الموافقة على 4 فقط، بقيمة إجمالية 81 مليون دولار. أما الـ 31 طلباً الآخر، بقيمة 870 مليون دولار، فقد تم تعليقها وإدراجها في قائمة المراجعة اليدوية.

السبب كان كلمة واحدة:  Jupiter .

أحد الحسابات المستهدفة كان في فرع لبنك RCBC يقع على شارع اسمه "Jupiter". نظام الفيدرالي الألي، بعد أزمة العقوبات على إيران، كان مبرمجاً لتعليق أي تحويل يذكر كلمة (Jupiter) لأن شركة ناقلات نفط إيرانية تحمل الاسم نفسه كانت على القائمة السوداء. صدفة غريبة، صدفة أنقذت بنغلاديش من خسارة مليار دولار كامل.

(الأستاذ) حدق في الشاشة بذهول. كان ينتظر الموافقة على جميع الطلبات. سبع ساعات ونصف مرت، وهو يراقب. وبعدها، في السادسة مساءً بتوقيت نيويورك، افترض أن جميع الموظفين غادروا. أغلق جلسة الاختراق وغادر الشبكة.

لو كان انتظر ساعة إضافية واحدة فقط، لكان رأى موظفي الفيدرالي وهم يراجعون الطلبات ويكتشفون الخطأ، وكانوا سيوافقون عليها. لكنه لم يفعل.

 الفلبين الساخنة

داهيلا ميلان، 38 عاماً، مديرة فرع بنك RCBC في شارع Jupiter، مانيلا، كانت تعرف أن المكالمة ستأتي. لقد كانت جزءاً من الخطة منذ عشرة أشهر، حين فتحت حسابات بأسماء صينية مزيفة بناءً على طلب أشخاص مجهولين دفعوا لها مبلغاً لا يُقاوم.

(لقد وصلت الأموال،) قال الصوت البارد في الهاتف. تحركي الآن.

في صباح الجمعة، بينما كان موظفو بنغلاديش يتخبطون مع طابعة لا تعمل، كانت داهيلا تستعد لسحب 22 مليون دولار من الحسابات الأربعة. قامت بتزوير مستندات، وحصلت على كميات ضخمة من النقد (بالبيسو الفلبيني) من الفروع المجاورة. ثم وزعت النقود في صناديق وحملتها مع رجال مجهولين إلى سيارة لكزس LX الكبيرة.

خلال ساعات قليلة، اختفت 22 مليون دولار من النظام المصرفي وتحول إلى نقود في أيدي عصابات غسيل الأموال.

ولكن بقي 59 مليون دولار في الحسابات.

انتظر الثلاثاء. كان البنك الفلبيني مغلقاً خلال عطلة نهاية الأسبوع ورأس السنة الصينية. وفي صباح الثلاثاء، خلال خمس ساعات من مكالمات بنغلاديش اليائسة الأولى مع البنك الفلبيني، كانت داهيلا تسحب الـ 59 مليون دولار المتبقية، محولة إياها إلى نقود أيضاً.

عندما وصل المسؤول الكبير في البنك الفلبيني أخيراً إلى الهاتف، كانت الساعة قد فاتت كثيراً. الأموال لم تعد موجودة في الحسابات.

 غسيل الأموال

في صالات القمار الفاخرة في مانيلا، كان 15 رجلاً صينياً يلعبون لعبة ماكرة. كل واحد منهم كان يحمل مئات الآلاف من الدولارات نقداً.

الدخول إلى الكازينو: يحول الأموال النقدية إلى "رقائق" بلاستيكية (الفيش). هذه العملية تحول الأموال القابلة للتتبع إلى أدوات لا تحمل أي أرقام تسلسلية.

اللعب: يجلس الخمسة عشر على طاولة خاصة، يلعبون ضد بعضهم البعض. الكازينو  فقط يراقب. المكاسب والخسائر تبقى بينهم، والكازينو يأخذ عمولة صغيرة 1-2%.

الخروج: يستبدلون الرقائق بنقود جديدة، غير مرتبطة بالرقع الأصلية بأي شكل. الأموال أصبحت نظيفة.

في غضون أيام، تم غسل 81 مليون دولار بالكامل. لم تتعقبها أي جهة بعد ذلك.

  العدالة الناقصة

الأخبار انتشرت كالنار في الهشيم. "أكبر سرقة رقمية في التاريخ". "81 مليون دولار تختفي في ظرف أيام". "بنك بنغلاديش المركزي يتهم قراصنة كوريا الشمالية".

التحقيقات استمرت لسنوات. خبراء أمن الكمبيوتر اكتشفوا تشابهاً مذهلاً بين الفيروس المستخدم في سرقة البنك والفيروس المستخدم في اختراق شركة سوني عام 2014، مما قادهم مباشرة إلى مجموعة لازاروس الكورية الشمالية.

في الفلبين، تم القبض على شخص واحد فقط: داهيلا ميلان، مديرة الفرع. حُكم عليها بالسجن 59 عاماً وغرامة 109 مليون دولار.

أما بقية الأموال؟ اختفت في النظام المالي العالمي، أو بالأحرى، في خزائن كوريا الشمالية.

وأما (الأستاذ) لا أحد يعرف اسمه الحقيقي. لا أحد يعرف مكانه. لكن كل من يعرف عالم القرصنة الإلكترونية يعرف أن مجموعة لازاروس لا تزال موجودة، لا تزال تخطط، لا تزال تشكل أخطر تهديد رقمي في العالم.

بعد عامين فقط، في 2017، أطلقوا فيروس WannaCry، الذي أصاب أكثر من 300,000 جهاز في 150 دولة، وشل مستشفيات وشركات اتصالات وبنوكاً حول العالم، مسبباً أضراراً بمليارات الدولارات.

في منزله المتواضع في دكا، كان(منير خان) يقرأ الخبر: "كوريا الشمالية تعلن عن تجربة صاروخية جديدة". أطفأ التلفاز وتنهد. كان يعرف من أين حصلوا على التمويل.

نظر من النافذة نحو السماء الملبدة بالغيوم، وتذكر صباح الجمعة البعيد، حين وقف أمام طابعة صامتة.

لو  بقيت حتى إصلاح الطابعة، هل كان يمكنه تغيير شيء؟

ربما لا. كانت العملية أكبر منه، أكبر من بنغلاديش، أكبر من أي فرد. كانت جريمة عصر جديد، عصر لا حدود فيه ولا قوانين، عصر تسيل فيه الأموال كالدماء الخفية عبر كابلات الألياف البصرية، من مصرف إلى مصرف حتى تختفي إلى الأبد.

أطفأ (منير خان) الضوء. كانت دكا تنام. والعالم الرقمي لا ينام أبداً.